القرطبي
247
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) يعني ظنهم وقولهم . واللام متعلقة بقوله " قالوا " أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا . " حسرة " أي ندامة " في قلوبهم " . والحسرة الاهتمام على فائت لم يقدر بلوغه ، قال الشاعر : فواحسرتي لم أقض منها لبانتي * ولم أتمتع بالجوار وبالقرب وقيل : هي متعلقة بمحذوف . والمعنى : لا تكونوا مثلهم " ليجعل الله ذلك " القول " حسرة في قلوبهم " لأنهم ظهر نفاقهم . وقيل : المعنى لا تصدقوهم ولا تلتفتوا إليهم ، فكان ذلك حسرة في قلوبهم . وقيل : " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " يوم القيامة لما هم فيه من الخزي والندامة ، ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة . قوله تعالى : ( والله يحيى ويميت ) أي يقدر على أن يحيي من يخرج إلى القتال ، ويميت من أقام في أهله . ( والله بما تعملون بصير ) قرئ بالياء والتاء . ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خير من جميع الدنيا . قوله تعالى : ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ( 157 ) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ( 158 ) جواب الجزاء محذوف ، استغني عنه بجواب القسم في قوله : ( لمغفرة من الله ورحمة ) وكان الاستغناء بجواب القسم أولى ، لان له صدر الكلام ، ومعناه ليغفرن لكم . وأهل الحجاز يقولون : متم ، بكسر الميم مثل نمتم ، من مات يمات مثل خفت يخاف . وسفلى مضر يقولون : متم ، بضم الميم مثل صمتم ، من مات يموت . كقولك كان يكون ، وقال يقول . هذا قول الكوفيين وهو حسن . وقوله : ( لإلى الله تحشرون ) وعظ . وعظهم الله بهذا القول ، أي لا تفروا من القتال ومما أمركم به ، بل فروا من عقابه وأليم عذابه ، فإن مردكم إليه لا يملك لكم أحد ضرا ولا نفعا غيره . والله سبحانه وتعالى أعلم .